عبد الوهاب الشعراني

244

تنبيه المغترين

يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب كما أنه لا يستقيم جعل الماء والنار في إناء واحد ، وكان أبو حازم رحمه اللّه تعالى يقول : من أخذ من الدنيا حلها وأنفقها في مرضاة اللّه عز وجل فقد أرضى ربه سبحانه وتعالى ، وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : الدنيا حانوت الشيطان فلا تسرق من حانوته شيئا فيأت في طلبك فيأخذك ، وقد روى أنه لما مات نوح عليه الصلاة والسلام قال له جبريل عليه الصلاة والسلام يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت الدنيا ، قال : كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر . وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : الدنيا عروس ومحبها ما شطتها والزاهد فيها يمزق شعرها ويسود وجهها ويقطع ثيابها ويكسر حليها ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : من علامة محبة العبد لربه عز وجل أن يبغض ما أبغضه اللّه فمن ادعى أنه محب للّه وهو يحب الدنيا فهو كاذب في دعواه ، لأن اللّه يبغضها . وكان إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى يقول في دعائه : اللهم يا حابس السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه احبس عن إبراهيم الدنيا ، وكان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول : كنا معاشر بني آدم نسلا من نسل الجنة فسبانا إبليس وأخرجنا منها إلى دار الفناء والبوار فلا ينبغي لعاقل أن يفرح ويطمئن إلا بعد عوده إلى الدار التي خرج منها . وقد دخل جماعة على رابعة العدوية رحمها اللّه تعالى فأكثروا من ذم الدنيا عندها فقالت لهم : كفوا عن ذكرها فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها ، وقد كان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : إن الجسم إذا تكامل سقمه لا ينجع فيه طعام ولا شراب وكذلك القلب إذا علق فيه حب الدنيا لا تنجع فيه المواعظ . وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : من نافسك في دينك فنافسه ، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره ، والمنافسة المفاخرة ، وقد كان كعب الأحبار رضي اللّه عنه يقول : مرّ عيسى عليه الصلاة والسلام يوما على رجل نائم فقال له : ألا تقوم يا هذا فتعبد اللّه عز وجل ، فقال الرجل : إني قد عبدته بأفضل العبادة ، قال عيسى : وما هي ؟ قال : تركت الدنيا لأهلها ، فقال له عيسى : صدقت نم فقد فقت العابدين . وكان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول : الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئا فليصبر على مخالطة الكلاب له ، وكان مسلم النحات رحمه اللّه تعالى يقول : واللّه لجراب بعر أوقد به تحت التنور أحب إليّ من جراب ذهب اه . فاعلم ذلك يا أخي واعمل عليه إن طلبت النجاة ، فقد ورد في الحديث [ إن بين أيديكم عقبة كنودا لا ينجو منها إلا المخفون ، فقال رجل يا رسول اللّه أمن المثقلين أنا أم من المخفين ،